أبي حيان الأندلسي

9

البحر المحيط في التفسير

بأن خذلهم حتى ارتكسوا فيه لما علم من مرض قلوبهم انتهى . وهو جار على عقيدته الاعتزالية ، فلا ينسب الإركاس إلى اللّه حقيقة ، بل يؤوّله على معنى الخذلان وترك اللطف ، أو على الحكم بكونهم من المشركين . إذ هم فاعلو الكفر ومخترعوه ، لا اللّه تعالى اللّه عن قولهم . وقرأ عبد اللّه : ركسهم ثلاثيا . وقرئ : ركسهم ركسوا فيها بالتشديد ، قال الراغب : الركس والنكس الرذل ، والركس أبلغ من النكس ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه ، والركس أصله ما رجع رجيعا بعد أن كان طعاما فهو كالرجس وصف أعمالهم به ، كما قال : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ « 1 » وأركسه أبلغ من ركسه ، كما أنّ أسقاه أبلغ من سقاه انتهى . وهذه الجملة في موضع الحال ، أنكر تعالى عليهم اختلافهم في هؤلاء المنافقين في حال أنّ اللّه تعالى قد ردهم في الكفر ، ومن يرده اللّه إلى الكفر لا يختلف في كفره . أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ هذا استفهام إنكار أي : من أراد اللّه ضلاله ، لا يريد أحد هدايته لئلا تقع إرادته مخالفة لإرادة اللّه تعالى ، ومن قضى اللّه عليه بالضلال لا يمكن إرشاده ، ومن أضل اللّه اندرج فيه المركسون وغيرهم . ممن أضله اللّه فكأنه قيل : أتريدون أن تهدوا هؤلاء المنافقين ؟ ومن أضله اللّه تعالى من غيرهم واندراجهم في عموم من بعد قوله : واللّه أركسهم ، هو على سبيل التوكيد ، إذ ذكروا أولا على سبيل الخصوص ، وثانيا على سبيل اندراجهم في العموم . وقال الزمخشري : أتريدون أن تجعلوا من جملة المهتدين ؟ من أضله اللّه من جعله من الضلال وحكم عليه بذلك ، أو خذله حتى ضل انتهى . وهو على طريقته الاعتزالية من أنه لا ينسب الإضلال إلى اللّه على سبيل الحقيقة . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي : فلن تجد لهدايته سبيلا . والمعنى : لخلق الهداية في قلبه ، وهذا هو المنفي . والهداية بمعنى الإرشاد والتبيين ، هي للرسل . وخرج من خطابهم إلى خطاب الرسول على سبيل التوكيد في حق المختلفين ، لأنه إذا لم يكن له ذلك ، فالأحرى أن لا يكون ذلك لهم . وقيل : من يحرمه الثواب والجنة لا يجد له أحد طريقا إليهما . وقيل : من يهلكه اللّه فليس لأحد طريق إلى نجاته من الهلاك . وقيل : ومن يضلل اللّه فلن تجد له مخرجا وحجة . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً من أثبت أن لو تكون مصدرية قدره :

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 28 .